نجح المركز الوطني للرقابة على الالتزام البيئي في تحويل أحد أكثر المواقع البحرية حساسية في الخليج إلى ساحة لاختبار جاهزية المملكة لمواجهة الانسكابات الزيتية، بعد إعلان إنجاز فرضية التمرين التعبوي "استجابة 25" قبالة سواحل جزيرتي دارين وتاروت، ورفع القدرة التشغيلية بنسبة 300%، مع قدرة سحب تجاوزت 75 ألف برميل، رغم العمل في بيئة تُصنّف من بين الأصعب بيئياً على مستوى المملكة.

وكشف منسق اللجنة الوطنية ورئيس المركز المهندس علي الغامدي، أن هذه القفزة لم تعتمد على زيادة أعداد المعدات فحسب، بل استندت إلى فلسفة تقوم على "إدارة الموارد واستمرارية العمل على مدار الساعة".

بيئة بحرية شديدة الحساسية

لم يكن التحدي في "استجابة 25" مرتبطاً بحجم التسرب الافتراضي بقدر ارتباطه بموقعه، إذ تمثل سواحل دارين وتاروت بيئة بحرية شديدة الحساسية، تحتضن مناطق لتكاثر الأسماك وغابات المانجروف، إلى جانب الشواطئ الرملية والصخرية.

في ضوء هذه الطبيعة البيئية، اتُخذ قرار بمنع استخدام المشتتات الكيميائية، والاعتماد بدلاً منها على تقنيات الاسترداد الميكانيكي والروبوتات الذكية التي تعمل آلياً وعن بُعد لاسترداد الزيوت الضارة.

تتميز هذه التقنيات بقدرتها على اكتشاف البقع النفطية وتتبعها واستردادها من سطح المياه، بما يعزز سرعة الاستجابة وكفاءتها، ويحد من تعرض العاملين للمخاطر. كما استخدمت الكاشطات الميكانيكية لإزالة الزيت من سطح المياه مع تقليل التأثير في البيئة البحرية.

نمذجة تتنبأ بحركة البقع

دفع هذا النهج المركز إلى تطوير منظومة النمذجة والمحاكاة، التي أصبحت قادرة على التنبؤ بحركة البقع الزيتية بدقة تتجاوز 90%، مستفيدة من الخبرات المتراكمة عبر تمارين "استجابة" السابقة.

بحسب الغامدي، يدرس كل تمرين طبيعة البيئة في المنطقة المستهدفة على حدة، بما يسمح بتطوير بدائل آمنة وفعالة للتعامل مع السيناريوهات المحتملة.

عوامات ذكية وإنذار مبكر

دخلت العوامات الذكية الموزعة على سواحل المملكة، بكامل طاقتها، خط المواجهة في "استجابة 25"، لتتجاوز دورها التقليدي في الرصد، وتتحول إلى شبكة إنذار مبكر تنقل بيانات لحظية عن حجم التلوث وامتداده ودرجة خطورته إلى غرفة العمليات.

تكاملت هذه المنظومة مع تقنيات الذكاء الاصطناعي المستخدمة في المسح الجوي وتحليل البيانات، بما يتيح تكوين صورة أكثر شمولاً عن نطاق التلوث ومساره قبل اتساع رقعته.

6500 كادر و51 جهة

خلف الأرقام التقنية، شارك 6500 كادر بشري جرى تدريبهم من خلال 209 برامج متخصصة في الأعمال البيئية والسلامة المهنية، ضمن منظومة شاركت فيها 51 جهة حكومية وخاصة.

وأكد الغامدي أن التكامل بين الجهات يمثل محوراً أساسياً في الخطة الوطنية لمكافحة الانسكابات الزيتية، مشيراً إلى أن حماية المياه الإقليمية لم تعد مهمة بيئية فحسب، بل ترتبط أيضاً بحماية الموارد والموائل البحرية ودعم مسار الاقتصاد المستدام.

من الاستجابة إلى الاستباق

يقدم "استجابة 25" نموذجاً لتطور منظومة التعامل مع الانسكابات الزيتية في المملكة، من الاستجابة للحوادث بعد وقوعها إلى تعزيز القدرة على التنبؤ بها والاستعداد المسبق لسيناريوهاتها.

يعكس التمرين كذلك اتجاهاً متزايداً نحو توظيف التقنيات الذكية والذكاء الاصطناعي والمعدات المتخصصة، إلى جانب رفع جاهزية الكوادر البشرية وتكامل الجهات المعنية، بما يعزز حماية السواحل والموائل البحرية في المملكة