كشف رئيس مجلس إدارة المجلس التأسيسي الصحي للقطاع الشمالي وعضو مجلس التنمية الدولية في جامعة هارفارد، المهندس عبدالله بن إبراهيم الرخيص، لـ«العربية.نت»، أن السعودية تتجه إلى مرحلة جديدة من التحول الصحي تقوم على استباق المخاطر قبل وقوعها، عبر توظيف البيانات والذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية في التخطيط والوقاية واتخاذ القرار.
وقال الرخيص إن التحول الصحي ضمن رؤية السعودية 2030 أحدث نقلة من النموذج العلاجي التقليدي إلى منظومة تضع الوقاية وصحة الإنسان في صميم أولوياتها، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تكامل البيانات والقدرات الرقمية القائمة ضمن منظومة وطنية مترابطة، قادرة على اكتشاف المخاطر الصحية مبكرًا وتوجيه الموارد وفق الاحتياجات الفعلية للسكان.
من علاج المرض إلى إدارة المخاطر
وأوضح الرخيص أن كفاءة الأنظمة الصحية الحديثة لم تعد تقاس فقط بعدد المستشفيات والأسرة والتجهيزات، وإنما بقدرتها على قراءة الخريطة الصحية للسكان، ورصد انتشار الأمراض وعوامل الخطورة والفوارق بين المناطق والفئات، ثم التدخل قبل تحولها إلى أعباء صحية واقتصادية أكبر.
وأشار إلى ارتفاع متوسط العمر المتوقع في السعودية إلى 79.7 عامًا، فيما بلغ في منطقة حائل 83.6 عامًا، إلى جانب وصول تغطية الرعاية الأساسية إلى 97.5%، بالتزامن مع توسع التجمعات الصحية والخدمات الرقمية والرعاية الافتراضية.
«عقل تحليلي» للنظام الصحي
وفي هذا السياق، يبرز دور «مرصد الصحة السكانية» باعتباره أحد الممكنات الداعمة لهذا التحول، من خلال دمج البيانات الصحية وربطها بالمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والجينية، وتحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام في التخطيط واتخاذ القرار.
ووصف الرخيص المرصد بأنه «ليس مستودعًا للبيانات، ولا لوحة إلكترونية لعرض المؤشرات، بل يمثل عقلًا تحليليًا وذاكرة مؤسسية للنظام الصحي».
وأوضح أن دوره يبدأ برصد البيانات وتحليلها وبناء الأدلة، ثم تحويل النتائج إلى قرارات وتدخلات قابلة للتنفيذ والقياس، بما يسمح بالانتقال من التقارير المتأخرة إلى المراقبة الآنية والإنذار المبكر.
21 تجربة تحت الدراسة
ويستند هذا الطرح إلى دراسة حديثة شارك فيها باحثون بينهم الدكتورة مريم العيسى والدكتور شاكر العمري والدكتور عبدالله عسيري، وقدمت إطارًا أوليًا لقياس نضج مراصد الصحة السكانية من خلال مقارنة استكشافية شملت 21 تجربة وطنية وإقليمية.
ويرتكز النموذج على 7 مجالات، تشمل الحوكمة والقيادة الاستراتيجية، وتكامل البيانات والبنية الرقمية، والإحصاءات والترصد، والذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية، والبحث والابتكار وترجمة المعرفة إلى سياسات، والصحة الوقائية وبرامج الفحص، ونتائج صحة السكان والعدالة الصحية.
ويقسم النموذج تطور المراصد إلى 5 مستويات تبدأ بالتأسيس، ثم المرحلة التجريبية، فالتشغيلية، وصولًا إلى التكامل المنظومي، ثم المستوى الأكثر تقدمًا القائم على البيانات الآنية والوقاية الدقيقة والاستجابة السريعة.
أين تقف السعودية؟
ووفق التقييم الاستكشافي للدراسة، سجلت السعودية 52.5 نقطة ووضعت في المستوى التشغيلي الثالث، في ضوء التقدم في التحول الرقمي والسجلات الصحية واستخدامات الذكاء الاصطناعي وإنشاء المرصد الوطني وبدايات تطوير البنوك الحيوية.
وفي المقابل، أشار التقييم إلى أن عددًا من هذه القدرات لا يزال موزعًا بين مبادرات ومنصات مختلفة، ما يجعل التكامل بينها أحد أبرز متطلبات الانتقال إلى مستويات أكثر تقدمًا.
وفي المقارنة نفسها، سجلت سنغافورة 81.5 نقطة، وهولندا 81، وفنلندا 79، وكوريا الجنوبية 78.5، بينما سجلت المملكة المتحدة والسويد 77 نقطة لكل منهما.
وشدد الباحثون على أن هذه النتائج لا تمثل تصنيفًا دوليًا نهائيًا، وإنما تقييمًا استكشافيًا يحتاج إلى تحقق مستقل واختبارات ومراجعات دورية.
التحدي المقبل.. توحيد المنظومة
ويرى الرخيص أن المرحلة المقبلة لا تحتاج بالضرورة إلى مزيد من التطبيقات والمشروعات التجريبية المنفصلة بقدر حاجتها إلى ربط القدرات الموجودة ضمن منظومة وطنية موحدة ومستدامة.
ويشمل ذلك توحيد معايير البيانات، ورفع مستوى التشغيل البيني بين الأنظمة، وربط مخرجات المرصد بقرارات التخطيط والتمويل وتوزيع القوى العاملة والموارد الصحية.
كما يتطلب، بحسب الرخيص، بناء مسار مؤسسي ينقل نتائج الدراسات والتحليلات من الأوراق العلمية إلى السياسات والتدخلات الصحية القابلة للتطبيق وقياس الأثر.
خارطة مقترحة حتى 2033
وتقترح الدراسة خارطة تطوير مرحلية تبدأ في 2026 و2027 بتوحيد الحوكمة والمعايير وتعزيز ربط السجلات الصحية، ثم دمج البيانات الجينومية والبنوك الحيوية والمحددات الاجتماعية والبيئية للصحة خلال الفترة من 2027 إلى 2029.
وفي مراحل لاحقة، تقترح التوسع في بيانات الأجهزة القابلة للارتداء وأنظمة الإنذار الآلي ونماذج الوقاية الدقيقة، وصولًا خلال 2031-2033 إلى استجابات صحية مؤتمتة ومحكومة، مع الحفاظ على المسؤولية البشرية والقانونية.
كما تتضمن المؤشرات المقترحة الوصول إلى 95% لتغطية الرصد الآني واكتمال السجلات الصحية، و90% على الأقل للتشغيل البيني، إلى جانب تدقيق نماذج الذكاء الاصطناعي المستخدمة.
وأكد الرخيص أن هذه النسب ليست غاية تقنية بحد ذاتها، مشددًا على أن القيمة الحقيقية تكمن في قدرة المنظومة على الكشف المبكر عن المخاطر، وتحسين توزيع الموارد، وخفض معدلات المرض والوفيات وتقليص الفوارق الصحية.
البيانات تتحول إلى قرار
وتخلص الرؤية التي يقدمها النموذج إلى أن تطور مرصد الصحة السكانية لا يقاس بحجم البيانات أو عدد الخوارزميات وحدهما، وإنما بقدرته على تحويل البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار، والقرار إلى تدخل صحي قابل لقياس أثره.
وبهذا الدور، يمكن للمرصد أن يشكل أحد ممكنات المرحلة المقبلة من التحول الصحي في السعودية، عبر الانتقال تدريجيًا من الاستجابة للمرض إلى التنبؤ بالمخاطر والوقاية منها قبل وقوعها.
0 تعليق
كن أول من يعلّق على هذا الخبر.