يمر قطاع السياحة في المملكة العربية السعودية بمرحلة اختبار صعبة، مع تواصل الهجمات التي تستهدف مطارات ومنشآت حيوية في المملكة منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر الجاري، وما رافقها من اضطراب في حركة الطيران وتأجيل فعاليات دولية كبرى. غير أن الأرقام القياسية التي سجلها القطاع خلال السنوات الأخيرة، والبنية التي أرستها رؤية 2030، تمنح المملكة رصيداً متيناً لاحتواء التداعيات والعودة سريعاً إلى مسار النمو.
المطارات في واجهة الاستهداف
تعرض مطار الملك خالد الدولي في الرياض في العاشر من الشهر الجاري لهجوم أوقع قتلى وأكثر من 300 مصاب، في أعنف هجوم تشهده المملكة منذ أكثر من عقد، ما أدى إلى إغلاق المطار نحو أسبوع قبل أن يعاد فتحه في 18 تشرين الأول/أكتوبر وفق ترتيبات تشغيلية مشددة تتطلب إذناً مسبقاً من الهيئة العامة للطيران المدني، واستأنفت الخطوط الجوية السعودية وطيران ناس رحلاتهما منه.
وأعلنت الهيئة العامة للطيران المدني أن الهجوم الذي استهدف مطار الملك فهد الدولي في الدمام مساء الأربعاء أسفر عن مقتل شخصين وإصابة ثمانية، مؤكدة استئناف العمليات التشغيلية في المطار وعودة الحركة الجوية إلى طبيعتها، فيما قُتل مقيمان إثر سقوط شظايا بعد اعتراض طائرة مسيّرة حاولت استهداف منشأة في حقل الشيبة، من دون أن يتأثر سير العمل في الحقل.
رحلات معلقة وتحذيرات سفر
وانعكس التصعيد على حركة الطيران الدولي، إذ علّقت شركات طيران أجنبية وإقليمية رحلاتها إلى عدد من المدن السعودية، ومددت الخطوط الجوية القطرية تعليق رحلاتها إلى الرياض والدمام حتى 24 تشرين الأول/أكتوبر، بينما أصدرت دول عدة تحذيرات لمواطنيها بشأن السفر إلى المملكة، وأمرت وزارة الخارجية الأمريكية بمغادرة بعض الدبلوماسيين وعائلاتهم البعثات الأمريكية في السعودية.
في المقابل، واصل مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة استقبال الرحلات، ليؤدي دوراً محورياً في الحفاظ على تدفق المسافرين وضيوف الرحمن القادمين لأداء العمرة.
فعاليات مؤجلة لا ملغاة
وطال الأثر روزنامة الفعاليات التي تمثل ركيزة أساسية في استراتيجية السياحة السعودية، إذ أُرجئ مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار الذي كان مقرراً في الرياض أواخر الشهر الجاري إلى عام 2027، وأُجلت القمة الأوروبية الخليجية التي كانت مقررة في 24 تشرين الأول/أكتوبر، فيما أعلن موسم الرياض نقل بطولة الملوك الستة للتنس إلى الفترة من 27 إلى 30 كانون الأول/ديسمبر المقبل، كما تأجلت نهائيات فيفا للرياضات الإلكترونية في جدة ومهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي.
ويعكس اختيار التأجيل بدلاً من الإلغاء حرص الجهات المنظمة على الحفاظ على مكانة هذه الفعاليات وجودتها، وعلى ثقة الشركاء والمستثمرين بعودتها في ظروف أفضل، في وقت كان موسم الرياض 2026 قد حُدد موعد انطلاقه في 21 تشرين الأول/أكتوبر.
أرقام قياسية تمنح القطاع مناعة
وتدخل السياحة السعودية هذه المرحلة من موقع قوة، إذ أظهر التقرير الإحصائي السنوي لوزارة السياحة أن عدد السياح المحليين والدوليين بلغ نحو 123 مليون سائح في عام 2025، بنمو يقارب 6 بالمئة مقارنة بعام 2024، فيما سجل إجمالي الإنفاق السياحي رقماً قياسياً بلغ نحو 304 مليارات ريال، بنمو 7 بالمئة.
وبلغ عدد السياح الدوليين 29.3 مليون سائح مقابل 93.3 مليون سائح محلي، ويسهم القطاع بنحو 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر أكثر من مليون وظيفة، بعد أن تجاوزت المملكة مستهدفها الأول البالغ 100 مليون زائر قبل موعده بسنوات، ورفعت سقف طموحها إلى 150 مليون زيارة سنوياً بحلول عام 2030.
رؤية 2030 وقدرة التعافي
ويمنح تنوع المنتج السياحي السعودي، من الوجهات التراثية والطبيعية في العلا والدرعية إلى ساحل البحر الأحمر والسياحة الدينية، القطاع مرونة في امتصاص الصدمات، إذ يعتمد جزء كبير من الطلب على السياحة المحلية التي تجاوزت 93 مليون سائح، وعلى السياحة الدينية التي حافظت على تدفقها عبر جدة.
كما أن تمسك المملكة بمواعيد بديلة لفعالياتها الكبرى، واستئناف الناقلات الوطنية رحلاتها سريعاً، وإعلان الجهات الرسمية عودة العمليات في المطارات المستهدفة، كلها مؤشرات على أن الاضطراب الراهن ظرف طارئ لا يغير الاتجاه العام لمسيرة رؤية 2030، وأن السياحة السعودية مرشحة لاستعادة زخمها سريعاً مع عودة الهدوء.
اقرأ أيضاً: رسمياً تأجيل مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار FII10 في الرياض إلى 2027
اقرأ أيضاً: الطيران المدني السعودي يعلن ارتفاع وفيات استهداف مطار الملك فهد إلى اثنتين
0 تعليق
كن أول من يعلّق على هذا الخبر.