الفصائل المسلحة العراقية أعادت ترتيب استراتيجيتها عبر إعلان ضبط للنفس مجدداً، في ما يراه تقرير صادر عن المجلس الأطلسي الأميركي خطوة تكتيكية تسمح لها بتعزيز نفوذها داخل مؤسسات الدولة من دون تعريض مكتسباتها المؤسسية والمالية للخطر.
ويقول التقرير إن «التهدئة المعلنة» تخفّف الضغط الأميركي على بغداد بينما تحتفظ هذه الجماعات بقدراتها العسكرية، مستفيدَة من انسحاب القوات الأميركية الذي قلّص الأهداف المتاحة داخل العراق وجعل إعلان وقف العمليات أقل تكلفة عليها.
ويشير التقرير إلى أن واشنطن لوّحت بفرض عقوبات على الإيرادات النفطية العراقية ما لم تحدّ الحكومة من نفوذ الجماعات المسلحة، ما يمنح بغداد مبرراً لتجنب إجراءات قاسية ضد هذه الفصائل خشية تفاقم الضائقة المالية في البلاد وتأثير ذلك على مصادر تمويل الجماعات وشبكات المحسوبية.
كما يرى التقرير أن مصالح هذه الفصائل تتقاطع مع مصلحة طهران، التي تستخدم العراق منفذاً للوصول إلى عملات صعبة والالتفاف على عقوبات، عبر فيلق القدس التابع للحرس الثوري والجماعات المرتبطة به.
ويشكل مشروع قانون تنظيم هيئة الحشد الشعبي حافزاً إضافياً لشدّ هذا الاتجاه التكتيكي؛ إذ أعلن أن مجلس الوزراء وافق في 29 أيلول/سبتمبر على مشروع قانون يتألف من 18 مادة ينظم هيكلية وقيادة الهيئة وأُحيل إلى مجلس النواب، وما قد يعنيه ذلك من اعتراف قانوني وتمويل رسمي أوسع للحشد ومطالبته بحصة في الموازنة العامة.
ويحذر التقرير من أن التشريع سيقوّي موقع الحشد بوصفه مؤسسة عسكرية منفصلة، ويوسّع إمكاناتها على الحصول على تمويل وبنية تحتية عسكرية من دون إخضاع فعّال للرقابة الحكومية، في وقت قد يسهم وقف الهجمات في تخفيف التدقيق والعقوبات الأميركية، بما يدعم ترسيخ الحشد كقوة موازية للدولة.
ورغم إعلان التهدئة من قبل الفصائل الكبرى، تنبّه الوثيقة إلى أن الهجمات قد تستمر عبر وحدات أصغر تديرها قيادة فيلق القدس أو عبر «مجاميع خاصة» و«خلايا الظل» التي درّبتها إيران وسلحتها ومولتها، والتي تعمل خارج سيطرة الدولة منذ العقد الأول من هذا القرن.
وبعد مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني في كانون الثاني/يناير 2020، عاد الفيلق إلى الاعتماد على مجموعات صغيرة ومحكمة السيطرة تضم مقاتلين موثوقين وموالين أيديولوجياً، يتم اختيارهم داخل الفصائل العراقية وإخضاعهم لقيادة إيرانية مباشرة، وفق التقرير.
كما توسّعت شبكات الفصائل في استخدام «واجهات تبني الهجمات» عبر قنوات على تطبيق تلغرام تُعلن مسؤولية عمليات ينفذها فاعلون مرتبطون بفصائل قائمة، من دون أن تعكس بالضرورة وجود وحدات عسكرية مستقلة؛ ما يوفر لطهران وأصحاب الخلايا قدرة أقل كلفة وأسهل إدارة وحماية للتنظيمات الكبرى من تبعات الاعتراف المباشر بالعمليات.
وتختلف التقديرات حول ارتباط «الخلايا الصغيرة» ببعض الفصائل؛ فمثلاً تربط التقارير أسماء مثل «أصحاب الكهف» و«جيش الغضب» بحركة النجباء، وترتبط «سرايا أولياء الدم» بكتائب سيد الشهداء، بينما يبقى ارتباط «رجال البأس الشديد» غير محسوم.
ويشير التقرير أيضاً إلى أن استضافة عناصر من جماعة الحوثيين داخل منشآت فصائل عراقية تفتح قناة لعمليات إقليمية، وأن الحوثيين شاركوا في هجمات تموز/يوليو على السعودية انطلاقاً من الأراضي العراقية بتعاون مع فصائل عراقية وتحت إشراف إيراني، فيما نفّذت «المقاومة الإسلامية في العراق» إنكاراً علنياً للاتهامات السعودية وإحالة الضربات إلى جهات يمنية، في مزيج يطابق التعاون الميداني مع محاولات للتنصل من المسؤولية علنياً.
ويضيف التقرير أن تجنيد وتدريب مسلحين شيعة من السعودية والبحرين عبر شبكات دعم مثل التي قدمتها كتائب حزب الله، ويوضح ربط بنية الفصائل العراقية بجماعات خارجية مثل سرايا الأشتر البحرينية كيف يمكن أن تُستخدم البنية العراقية لدعم عمليات تُعلن باسم جماعات أجنبية.
ويخلص التقرير إلى أن الهدف النهائي لهذه الفصائل هو تثبيت نفسها قوة عسكرية دائمة ومستقلة إلى جانب الدولة، تتمتع بإمكانية الوصول إلى الموارد من دون خضوع فعّال للسيطرة الحكومية، مع استخدام وحدات صغيرة يصعب نسبها للحفاظ على القدرة العملياتية وحماية التنظيمات الكبرى من تبعات تهدد مكاسبها المؤسسية.
0 تعليق
كن أول من يعلّق على هذا الخبر.