جعفر العائدي
في الصراعات والحروب لا أحد يدفع الثمن في لحظة واحدة. من الزمن ، لأن الكلفة تتراكم ببطء في خزائن الدول، وفي الخوف الذي يسكن الشعوب، والاعوام التي تُسرق من عمرها .
هكذا يمكن قراءة المشهد في اليمن حيث الحربٌ بدأت بحسابات عسكرية وسياسية، لكنها سرعان ما تحولت إلى معادلة أكبر من قدرة طرف واحد على حسمها.
دخلت المملكة العربية السعودية هذه الحرب وهي تنظر إلى اليمن من زاوية الأمن القومي. لأن الجغرافيا التي تفصل البلدين لم تكن بالنسبة إلى الرياض مجرد جداراً عازلاً أمام صواريخ وطائرات مسيّرة تهدّد الأراضي والمنشآت السعودية. في المقابل تأكد عند الحوثيين ان استمرار المواجهة وسيلة لتثبيت موقعهم كقوة عسكرية وسياسية يصعب تجاوزها في أي ترتيبات مستقبلية لليمن بعد تجاوزها لحصار دام عدة اعوام .
الأهم في ذلك أن اختزال المشهد اليمني في ثنائية "السعودية والحوثيين" خطأ فادح لأن الحرب منذ بدايتها كانت شبكة من القوى المحلية والإقليمية لكل منها حسابات ومصالح وأدوات .
الحكومة اليمنية، والقوى السياسية والعسكرية المناوئة للحوثيين، والمجلس الانتقالي الجنوبي، والسعودية والإمارات، فضلاً عن دور جمهورية ايران الاسلامية وبعض التدخلات الدولية معظمها حضرت بدرجات مختلفة في مشهد اقل مايوصف بأنه شديد التعقيد.
ولهذا فإن استمرار الحرب لم يكن مرتبطاً فقط بقرار الرياض أو صنعاء، وإنما بتوازن مصالح يصعب تفكيكه بالوسائل العسكرية وحدها.
ربما يدفع اليمنيون الفاتورة الاعلى كلفة بشرياً بعدما اشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 21 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى المساعدة الإنسانية في عام 2026، نتيجة تفاقم الصراعات السياسية ، فيما قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الحرب وتداعياتها تسببت حتى السنوات القليلة الماضية بنحو 377 ألف حالة وفاة بصورة مباشرة وغير مباشرة، إضافة إلى خسائر اقتصادية ضخمة. والملاحظ هنا ان هذه الأرقام لا تختصر المأساة بقدر ما تكشف عن حجمها.
في النهاية يبقى السؤال الأكثر أهمية هو من استطاع ان يخفض كلفة الحرب عسكرياً وسياسياً واقتصاديا وبشرياً ؟ فليس مهماً كم صاروخاً اطلق او سقط وانما المهم هو الذهاب الى تسويات وتفاهمات تضمن للطرفين عدم زيادة كلفة الحرب على الشعبيين الجاريين وذلك من خلال وضع قواعد جديدة تتماشى مع التغيرات والتحولات على ارض الواقع .
0 تعليق
كن أول من يعلّق على هذا الخبر.