سوسن الجزراوي

كثيرة هي المرّات التي لا يكون فيها اتخاذ القرار أخطر خطوة، بل الأكثر خطورة يكمن في ما يتركه وراءه من أصداء وتأثير؛ فهناك قرارات تغلق ملفات، وأخرى تفتح ملفات لم تكن في الحسبان، وقرارات تنهي مشكلة، وأخرى تنقلها من مكان إلى آخر، كما أن هنالك قرارات تبدو في لحظة اتخاذها شجاعة وحسماً، ثم تكشف الأيام أن ثمنها كان أكبر من قدرتها على الاحتمال.

وبين هذا وذاك، تبقى المسألة الأهم: هل يكفي أن يكون القرار صحيحاً؟ أم عليه أن يعرف كيف يكون صحيحاً، محاطاً بحلول منطقية قادرة على حمايته من تداعياته؟.

وفي عالم تتشابك فيه المصالح وتتقاطع الحسابات، لم يعد القرار الناجح مجرد اختيار بين بديلين، وإنما أصبح فناً قائماً بذاته، فناً يحتاج إلى عين ترى ما وراء اللحظة، وعقل يقرأ ردود الأفعال قبل وقوعها، وحكمة تعرف أن بعض الانتصارات قد تكون باهظة إلى الحد الذي يفقدها لذة الانتصار.

من هنا تولد دبلوماسية القرارات، تلك القدرة على أن يكون القرار حاسماً من دون أن يكون صادماً، ومرناً من دون أن يكون متردداً، وواضحاً من دون أن يكون مستفزاً، وهي بهذا لا تضعف القرار، بل تمنحه فرصة أكبر للنجاح وعبور الحواجز الصعبة لأن قوة القرار لا تُقاس فقط بقدرته على فرض إرادة صاحبه، وإنما بقدرته على الوصول إلى ما يريد بأقل قدر من الخسائر.

فالقرار الذي يتقن فن الدبلوماسية يعرف أن التوقيت جزء من قوته، وأن اللغة قد تكون أداة تنفيذ لا مجرد وسيلة للتعبير، وأن ترك نافذة للحوار ليس تنازلاً بالضرورة، بل قد يكون أكثر الطرق ذكاءً لحماية المصلحة.

ولهذا فإن السؤال لم يعد: هل نملك الشجاعة لاتخاذ القرار؟ بل أصبح: هل نملك الحكمة التي تجعل قرارنا قابلاً للحياة بعد اتخاذه؟ فبين قرار يحقق هدفه وآخر يحقق الهدف نفسه تاركاً خلفه أزمة، قد لا يكون الفارق في المضمون، وإنما في التوقيت واللغة والمسافة التي يتركها لصاحب القرار كي لا يحوّل الحسم إلى صدام.

فالقرار القوي ليس بالضرورة قراراً مرتفع الصوت، ولا القرار الحازم هو الذي يغلق جميع الأبواب خلفه. فأحياناً تكون أقصى درجات القوة أن تعرف كيف تصل إلى النتيجة من دون أن تستنزف الطريق إليها، وأن تحمي مصالحك من دون أن تدفع الآخرين إلى الاصطفاف ضدك.

وفي السياسة، تبدو المسألة أكثر وضوحاً، فالدول لا تتحرك في فراغ، والقرار السياسي لا يعيش لحظة إصداره فقط، وإنما تبدأ حياته الحقيقية بعد الإعلان عنه، حين تتلقاه الدول الأخرى، وتقرأه المؤسسات، وتفسره الأسواق، وتراقبه الشعوب، وتعيد الأطراف المختلفة حساباتها على أساسه.

والدبلوماسية هنا لا تعني إفراغ القرار من مضمونه، ولا تحويل الحزم إلى تردد، وإنما هي القدرة على إدارة المسافة بين ما نريده وما يستطيع الآخرون تقبله. فقد يكون القرار واضحاً وحاسماً، لكنه يُقدَّم بلغة تترك مساحة للحوار، وتمنح الطرف الآخر فرصة للتراجع من دون أن يشعر بأنه هُزم.

ولا تقتصر دبلوماسية القرارات على العلاقات الدولية، بل تمتد إلى الإدارة والمؤسسات والاقتصاد وحتى العلاقات الإنسانية. فالمدير الذي يتخذ قراراً صعباً لا يُقاس نجاحه فقط بقدرته على إصداره، وإنما بقدرته على شرحه وإدارة أثره والحفاظ على تماسك المؤسسة بعد صدوره.

لهذا يصبح التوقيت جزءاً من القرار نفسه، فالقرار الذكي لا ينظر إلى الساعة فقط، بل إلى السياق الذي تتحرك فيه الساعة. فاختيار اللحظة المناسبة قد يحول قراراً شديد الحساسية إلى خطوة قابلة للاستيعاب، بينما يمكن لقرار متسرع أن يحوّل قضية قابلة للحل إلى أزمة مفتوحة.

ونقف عند اللغة، وهي واحدة من أكثر الأدوات، التي يُستهان بها في صناعة القرارات؛ فالكلمات التي ترافق القرار يمكن أن تخفف أثره أو تضاعفه.

وهنا تصبح الدبلوماسية جزءاً من هندسة القرار، لا مجرد تجميل له، فالقرارات التي تعيش طويلاً ليست بالضرورة الأكثر صرامة، وإنما الأكثر قدرة على إنتاج القبول أو على الأقل، تقليل الرفض.

ومن أخطر الأخطاء أن تُفهم المرونة على أنها ضعف، فالمرونة الحقيقية لا تعني التخلي عن الهدف، وإنما تغيير الطريق المؤدي إليه عندما يصبح الطريق الأول أكثر كلفة من فائدته.

وفي المقابل، فإن الإفراط في الدبلوماسية قد يحول الحرص على إرضاء الجميع إلى تعطيل للقرار نفسه، ولهذا تحتاج دبلوماسية القرارات إلى توازن دقيق بين وضوح الهدف والوعي بالعواقب.

ولعل هذا هو الفارق بين القرار الذي يصدر والقرار الذي ينجح؛ فالقرار الناجح لا ينتهي لحظة توقيعه أو إعلانه، وإنما يبدأ عندها، ويُقاس نجاحه بقدرته على الانتقال من الورق إلى الواقع، ومن النص إلى التطبيق، ومن رغبة صاحب القرار إلى مساحة القبول الممكنة لدى الآخرين. في النهاية، لا تحتاج القرارات دائماً إلى مزيد من القوة، بقدر ما تحتاج إلى مزيد من الذكاء. فحين يتقن القائمون على السياسة فن الدبلوماسية، لا تصبح المسألة أقل حزماً، بل أكثر قدرة على الوصول. وهنا تحديداً تكمن القوة التي لا تحتاج إلى صراخ وضجيج كي تعرف ماذا تريد، ومتى تقول قولها، وكيف تقوله، والأهم… كيف تجعل الطريق إلى تنفيذه أقل كلفة وأكثر استقراراً.