تُعد الموسيقى عنصراً جوهرياً في المشاعر والثقافة الإنسانية، فهل للقدرة على الاستمتاع بالموسيقى أساس بيولوجي؟
للإجابة على هذا التساؤل، كشفت دراسة أُجريت على التوائم، نُشرت في دورية Nature Communications ، أن الاستمتاع بالموسيقى سمة وراثية جزئياً. وحدد فريق دولي - بقيادة علماء من معهد ماكس بلانك لعلم اللغة النفسي في نايميخن بهولندا - عوامل وراثية تؤثر على درجة الاستمتاع بالموسيقى، وهي عوامل تختلف جزئياً عن الجينات التي تؤثر على الاستمتاع العام بالتجارب المجزية أو على القدرة الموسيقية.
وفقاً لما ورد في تقرير نشره موقع Science Daily، تلعب الموسيقى دوراً مهماً في المشاعر الإنسانية، والروابط الاجتماعية، والتعبير الثقافي. وكما أشار داروين سابقاً، فإن الموسيقى "يجب أن تُصنف ضمن أكثر السمات غموضاً التي مُنحها الإنسان". ولكن، لماذا يستمتع الناس بالموسيقى؟

الموسيقى (آيستوك)
سؤال كبير
يقول الباحث الرئيسي في الدراسة جياكومو بيغناردي: "إن الإجابة على هذا السؤال الكبير ربما تفتح نافذة لفهم جوانب أعم وأشمل في العقل البشري، مثل كيفية تحول التجارب إلى مصادر للمتعة"، مضيفاً أن فريق الباحثين سعى إلى "فهم ما إذا كانت الاختلافات الجينية بين الأفراد تؤدي إلى تفاوت في مستوى المتعة التي يجنيها الناس من الموسيقى، وما يمكن أن تخبر به هذه الاختلافات عن الحس الموسيقي البشري بشكل عام".
العوامل الوراثية
وللتحقق مما إذا كانت العوامل الوراثية تساهم في الاستمتاع بالموسيقى - أو ما يُعرف ب "الحساسية للمكافأة الموسيقية" - استخدم الباحثون منهجية دراسة التوائم، التي تقارن بين أوجه التشابه لدى التوائم المتطابقة (المتماثلة جينياً) والتوائم غير المتطابقة (الأخوية). وببساطة، إذا كان التشابه بين التوائم المتطابقة أكبر منه لدى التوائم غير المتطابقة، فهذا يشير إلى دور للعوامل الوراثية.

الموسيقى (آيستوك)
إدراك الخصائص الموسيقية
وبالتعاون مع معهد ماكس بلانك لعلم الجمال التجريبي في ألمانيا ومعهد كارولينسكا في السويد، تمكن الفريق من استخدام بيانات شملت أكثر من 9000 توأم؛ وتضمنت هذه البيانات معلومات أبلغ عنها المشاركون بأنفسهم حول مدى استمتاعهم بالموسيقى وحساسيتهم العامة للمكافأة، بالإضافة إلى قدرتهم على إدراك الخصائص الموسيقية مثل طبقة الصوت واللحن والإيقاع.
سمة وراثية جزئياً
وأظهرت النتائج أن القدرة على الشعور بالمتعة من خلال الموسيقى هي سمة وراثية جزئياً؛ إذ تمكن الباحثون - باستخدام منهجية دراسة التوائم - من تقدير أن 54% من التباين في الاستمتاع بالموسيقى لدى العينة السويدية يعود إلى الاختلافات في الحمض النووي DNA بين الأفراد. كما اكتشف الباحثون أن التأثيرات الجينية على الحساسية للمكافأة المرتبطة بالموسيقى مستقلة جزئياً عن الحساسية العامة للمكافأة وعن القدرات الإدراكية الموسيقية، وتوصلوا إلى أن مسارات جينية متميزة تؤثر في جوانب مختلفة من الاستمتاع بالموسيقى، مثل تنظيم الانفعالات أو الرقص على إيقاع الموسيقى أو العزف مع الآخرين.
صورة معقدة
ويخلص بيغناردي إلى قول إن "هذه النتائج تشير إلى صورة معقدة تساهم فيها اختلافات جينية -متميزة جزئياً- في جوانب مختلفة من الاستمتاع بالموسيقى. وإن الأبحاث المستقبلية التي تبحث في أي جزء من الجينوم يساهم بأكبر قدر في قدرة الإنسان على الاستمتاع بالموسيقى، يمكن أن تسلط الضوء على تلك المَلَكة البشرية التي حيرت داروين أكثر من غيرها، والتي لا تزال تحير العلماء حتى اليوم"
0 تعليق
كن أول من يعلّق على هذا الخبر.