د. علي موسى الكناني

على ضفاف جغرافية محفوفة بالتوتر ومسكونة بالتحولات العميقة، غالباً ما تُختبر الدول بقدرتها على الصمود أمام العواصف. لكن بغداد تجد نفسها اليوم أمام معادلة أثقل كاهلاً وأكثر دقة، فهي لم تعد مجرد جغرافيا تتقاطع فوق أراضيها نيران الصراعات الإقليمية والدولية، بل باتت تقف عند عتبة خيار مصيري يحتم عليها الانتقال من موقع المفعول به الذي يتلقى ضربات المتغيرات، إلى موقع الفاعل الذي يمتلك ناصية التأثير وصناعة الحدث.

لقد ولّت المرحلة التي كان يمكن فيها الفصل بين السياسة الخارجية، والامن الداخلي، والاقتصاد، وقطاع الطاقة. فاليوم، تتقاطع التحديات وتتداخل في نقطة مركزية واحدة تتمثل في "السيادة الوطنية"، وقدرة الدولة الفعليّة على حماية قرارها المستقل، وإدارة شبكة علاقاتها المعقدة مع الولايات المتحدة، وإيران، ودول الجوار العربي، وتركيا، والقوى الدولية الفاعلة، ضمن معادلة دقيقة متوازنة لا تغلب طرفاً على حساب مصلحة الوطن العليا.

ومن هنا تحديداً تبرز الضرورة الملحة للانتقال الفكري والعملي من سياسة "إدارة الضغوط" وردود الفعل، إلى استراتيجية "إدارة المصالح" واستباق الأحداث.

العراق بطبيعته الجيوسياسية وموقعه الفريد لا يحتاج إلى الانخراط في سياسة المحاور الحادة، كما لا يمكنه الاكتفاء بموقف سلبي مجرد ينتظر ما ستؤول إليه صراعات الآخرين على أرضه. المطلوب اليوم هو صياغة سياسة خارجية ديناميكية تمنح بغداد مرونة أكبر في الحركة، وتستثمر تعدد علاقاتها وشراكاتها لإنتاج خيارات وطنية بديلة، لا لتكون عبئاً يضاعف الضغوط الداخلية والخارجية.

وتتجلى هذه الحاجة بوضوح في طبيعة العلاقات العراقية - الأمريكية. فمع انتهاء الوجود العسكري المباشر، تتحور طبيعة الشقة والصلة تدريجياً نحو أبعاد أعمق تتعلق بالاقتصاد، والطاقة المتجددة، والاستثمار، والتكنولوجيا المتقدمة، بينما تبقى ملفات السيادة، والأمن الاستراتيجي، والاستقرار الإقليمي حاضرة بقوة. وقد عكست الحوارات والاتفاقات الأخيرة في مجالات الاستثمار والطاقة محاولات جادة لنقل هذه العلاقة من إطارها الأمني التقليدي البحت إلى شراكة اقتصادية ومؤسسية أوسع وأكثر توازناً.

في الاتجاه المقابل، لا يمكن للعراق بأي حال من الأحوال تجاهل عمقه الإقليمي الحاضر وروابطه التاريخية والاجتماعية والاقتصادية مع محيطه الجغرافي. تقتضي المصلحة العراقية العليا الحفاظ على خطوط اتصال متوازنة تمنع تحويل البلاد إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وتدفعه بدلاً من ذلك للعب دور إيجابي في خفض التوترات، وتقريب وجهات النظر، وفتح قنوات حوار مستدامة.

لا يمكن لأي سياسة خارجية أن تحقق أهدافها الكبرى إذا ظل الاقتصاد الوطني نقطة ضعف استراتيجية رخوة. فما زال العراق يعتمد بصورة شبه مطلقة على عائدات النفط الخام في تمويل موازنته العامة، الأمر الذي يجعل من مسألة تنويع مصادر الدخل، وقطاعات الإنتاج، ومسارات التجارة جزءاً لا يتجزأ من مفهوم "السيادة الوطنية"، وليس مجرد خطة اقتصادية فنية عابرة. إن استمرار هذا الارتهان لأحاديّة الريع النفطي ينعكس تلقائياً على إدارة العلاقات المالية والطاقة مع الخارج، ليضفي عليها أبعاداً سياسية واستراتيجية ضاغطة.

وتبرز الجغرافيا العراقية كفرصة استراتيجية كبرى ينبغي استثمارها بحنكة. إن مشاريع الطرق الاستراتيجية، والموانئ الكبرى، وخطوط أنابيب الطاقة، ومشاريع الربط الكهربائي والتجارة البينية، قادرة على إحداث نقلة نوعية، تحول العراق من مجرد دولة تتأثر بممرات ومضائق المنطقة إلى فاعل رئيسي يمتلك مفاتيح حركة المصالح الإقليمية. وتدلل مباحثات المشاريع الحيوية الكبرى، مثل طريق التنمية ومشاريع التعاون الإقليمي المشترك في مجالات الطاقة والنقل، على إمكانية تحويل الموقع الجغرافي إلى رصيد مادي وسياسي ضخم.

إن بناء سياسة خارجية فاعلة يظل مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بعملية بناء الدولة ذاتها: مؤسسات وطنية أكثر تنسيقاً وتناغماً، قرار أمني وسياسي موحد وناجز، دبلوماسية اقتصادية نشطة ومؤثرة، سياسة طاقة متننوعة ومستدامة، وقدرة حقيقية على تقديم العراق باعتباره شريكاً استقرارياً موثوقاً لا ساحة مفتوحة للصراع.