تدخل العلاقات بين دول الخليج وإيران مرحلة شديدة الحساسية، مع استمرار التوترات الأمنية وتداخل الملفات السياسية والاقتصادية، من أمن الملاحة في مضيق هرمز إلى الهجمات التي تطال منشآت ومواقع في المنطقة. وبينما تتبادل الأطراف الاتهامات بشأن أسباب التصعيد، تتحرك دول إقليمية لفتح قنوات حوار تمنع اتساع المواجهة.

وشهدت طهران، في 26 أكتوبر/تشرين الأول، اجتماعاً ضم مسؤولين من السعودية وتركيا وباكستان مع مسؤولين إيرانيين، في محاولة لخفض التوتر وإعادة المسار الدبلوماسي. وقالت السعودية إن التحرك يهدف إلى منع عودة التصعيد العسكري، فيما أبدى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان استعداد بلاده لتعميق التعاون الإقليمي وحل الخلافات. واتفق المشاركون على مواصلة المحادثات بشأن السلام والأمن في المنطقة.

لكن هذه التحركات تجري في وقت لا تزال فيه المخاوف قائمة. فقد عبّرت دول مجلس التعاون الخليجي عن قلقها من الهجمات التي تستهدف أراضيها ومن التهديدات التي تطال الملاحة في مضيق هرمز، مؤكدة أن أمن الممرات البحرية وسلامة إمدادات الطاقة يمسان المنطقة والعالم. وفي المقابل، تربط طهران أي تفاهمات أوسع بمطالب تتعلق بإنهاء الحرب ورفع القيود المفروضة عليها، ما يجعل الوصول إلى اتفاق سريع أمراً معقداً.

وتبرز سلطنة عُمان بوصفها طرفاً يدفع باتجاه صيغة أمنية إقليمية تشمل دول الخليج وإيران والعراق، تقوم على عدم الاعتداء والحوار المباشر. وتستند الفكرة إلى أن دول المنطقة تحتاج إلى ترتيبات مشتركة تقلل الاعتماد على القوى الخارجية، إلا أن تبنيها يواجه تحديات كبيرة، أبرزها انعدام الثقة وتباين مواقف الحكومات من مصادر التهديد وطرق التعامل معها.

وتكشف هذه التطورات أن العلاقة بين الخليج وإيران لا تتحرك باتجاه واحد؛ فهناك رغبة لدى أطراف إقليمية في احتواء الأزمة، يقابلها استمرار المخاوف من الهجمات والتهديدات وتداعياتها على الاقتصاد وأمن الطاقة. لذلك قد تكون اللقاءات الحالية بداية لاختبار نيات الأطراف، لكنها لا تعني أن الخلافات العميقة قد حُلّت.

ويبقى مضيق هرمز في قلب التجاذبات، نظراً لأهميته في حركة التجارة والطاقة. وأي اضطراب طويل في الملاحة عبره قد يرفع كلفة الشحن والتأمين ويؤثر في أسواق النفط، فضلاً عن انعكاساته على اقتصادات المنطقة. ومن هنا، لا يقتصر التنافس بين الخليج وإيران على الحسابات السياسية، بل يمتد إلى أمن الموانئ والمنشآت والبنية التحتية.

وفي المرحلة المقبلة، سيتوقف مسار التوتر على قدرة الأطراف على تحويل التصريحات والاجتماعات إلى خطوات قابلة للتنفيذ، مثل وقف الهجمات، وضمان حرية الملاحة، وإنشاء قنوات اتصال تمنع سوء التقدير. أما إذا تعثرت الجهود الدبلوماسية، فستبقى المنطقة معرضة لموجات تصعيد جديدة تزيد من كلفة المواجهة على الجميع