خاص – صحيفة الوسط العراقية

لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران في أواخر سبتمبر/أيلول 2026 مجرد أزمة سياسية أو تبادل للعقوبات والتهديدات. فالجانبان يعيشان مواجهة عسكرية ممتدة منذ أشهر، وفي الوقت نفسه لم تغلق قنوات الاتصال بينهما بالكامل، وهو تناقض يجعل المشهد الحالي واحداً من أكثر الملفات تعقيداً في الشرق الأوسط. Reuters

والسؤال الذي بات يطرح نفسه اليوم ليس فقط: من يملك أوراق الضغط الأكبر؟ بل: هل يمكن لواشنطن وطهران الانتقال من المواجهة إلى اتفاق يمنع جولة أخرى من الحرب؟


قتال مستمر.. واتصالات لم تتوقف

في 22 سبتمبر، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن المحادثات مع إيران ما تزال مستمرة، مكرراً موقف واشنطن بأن أي اتفاق يجب أن يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي. وفي اليوم نفسه، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن واشنطن منفتحة على الحوار إذا كان قادراً على تحقيق نتيجة ملموسة. Reuters

ومن الجانب الإيراني، ظهرت أيضاً إشارات إلى إمكانية التفاوض. فقد نقلت رويترز عن مسؤول إيراني كبير استعداد طهران لمناقشة إعادة فتح مضيق هرمز ضمن ترتيبات تشمل تخفيف الضغط العسكري الأمريكي ورفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، فيما قالت المصادر إن مقترحات لإنهاء القتال نُقلت إلى واشنطن عبر وسطاء. Reuters

هذه الاتصالات لا تعني أن الخلافات انتهت، لكنها تكشف حقيقة مهمة: حتى في ذروة المواجهة، لم يتخل الطرفان تماماً عن الدبلوماسية.


ليست المحاولة الأولى

خلال يونيو/حزيران 2026، توصل الطرفان إلى تفاهم أولي لوقف القتال، ثم دخلت الولايات المتحدة وإيران في محادثات حول ترتيبات أوسع لإنهاء الحرب. وفي مرحلة لاحقة، أعلنت واشنطن إعفاءات مؤقتة من بعض العقوبات لمدة 60 يوماً بالتزامن مع تلك المفاوضات. لكن الاتفاق لم يتحول إلى تسوية دائمة، وعادت المفاوضات إلى التعثر في الأشهر التالية. Reuters

وهذا التاريخ القريب يوضح أن وقف النار أسهل من بناء سلام دائم؛ لأن المشكلة لا تتعلق بجبهة عسكرية واحدة، وإنما بمجموعة ملفات مترابطة.


الملف النووي.. العقدة الأصعب

يبقى البرنامج النووي الإيراني في قلب الخلاف.

واشنطن تقول إن أي تسوية يجب أن تتضمن ضمانات تمنع إيران من الوصول إلى سلاح نووي، بينما تؤكد طهران أن برنامجها النووي مخصص لأغراض سلمية.

ويزيد الوضع تعقيداً أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تواجه صعوبات كبيرة في التحقق من بعض الأنشطة والمخزونات النووية الإيرانية بعد الضربات التي تعرضت لها منشآت نووية وتعطل عمليات التفتيش في عدد من المواقع. وفي سبتمبر، دفعت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا باتجاه تشديد الضغط داخل الوكالة بشأن التزامات إيران المتعلقة بالضمانات النووية. Reuters

لهذا فإن أي اتفاق طويل الأمد سيحتاج على الأرجح إلى صيغة يمكن التحقق منها دولياً بشأن النشاط النووي، وليس مجرد تعهد سياسي بين الحكومتين.


العقوبات مقابل الضمانات

الملف الثاني هو الاقتصاد والعقوبات.

طهران تريد تخفيف القيود الاقتصادية والمالية، فيما تستخدم واشنطن العقوبات كوسيلة ضغط للحصول على تنازلات في الملفات النووية والأمنية.

وهنا تظهر إحدى أصعب مشكلات التفاوض: من يتحرك أولاً؟

إذا قدم أحد الطرفين تنازلاً كبيراً قبل الطرف الآخر، فإنه يخشى أن يخسر ورقة تفاوضية من دون الحصول على مقابل. ولذلك غالباً ما تحتاج مثل هذه الاتفاقات إلى خطوات متزامنة ومراحل محددة وآليات للتحقق.


مضيق هرمز يجعل الأزمة عالمية

الخلاف الأمريكي الإيراني لا يبقى داخل حدود البلدين.

مضيق هرمز يمثل ممراً رئيسياً للطاقة والتجارة الدولية، ولهذا انعكست الحرب والتوترات المحيطة به مباشرة على أسواق النفط. وفي 25 سبتمبر انخفضت أسعار النفط بنحو 2% وسط آمال الأسواق بإمكانية الوصول إلى هدنة بين الولايات المتحدة وإيران. Reuters

وهذا يعني أن لدى دول كثيرة مصلحة في وقف التصعيد، ليس لأسباب سياسية فقط، وإنما لحماية التجارة والطاقة والاقتصاد العالمي.


الوسطاء قد يكونون مفتاح الاتفاق

واحدة من السمات اللافتة في الأزمة الحالية أن الحوار لا يعتمد دائماً على اتصال مباشر بين واشنطن وطهران.

خلال مراحل مختلفة من الحرب لعبت دول ووسطاء إقليميون أدواراً في نقل المقترحات، كما أعلنت إيران في وثيقة أمام الأمم المتحدة دعمها لجهود دبلوماسية شاركت فيها دول من بينها باكستان وتركيا ومصر والسعودية ودول أخرى. UN eStatements

وجود الوسطاء مهم خصوصاً عندما تكون الثقة المباشرة بين الطرفين محدودة؛ إذ يمكنهم نقل الضمانات وترتيب الخطوات المتبادلة ومنع انهيار المفاوضات بسبب حادث ميداني أو سوء فهم.


هل يمكن بالفعل الوصول إلى السلام؟

المعطيات الحالية لا تسمح بالجزم بأن اتفاقاً دائماً سيحدث أو لن يحدث.

لكن من الناحية العملية، توجد بالفعل قنوات تفاوض ومقترحات متبادلة وسوابق لوقف إطلاق النار، وهو ما يعني أن الطريق الدبلوماسي ما زال قائماً. وفي المقابل، ما تزال الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي والعقوبات والأمن الإقليمي ومضيق هرمز عميقة للغاية. Reuters

ومن المرجح أن أي تسوية قابلة للاستمرار ستحتاج إلى معالجة عدة ملفات معاً: ترتيبات نووية قابلة للتحقق، خطوات متبادلة بشأن العقوبات، ضمان أمن الملاحة، وآليات تمنع عودة المواجهة عند أول أزمة جديدة.


العراق يراقب من موقع شديد الحساسية

بالنسبة للعراق، لا يمثل هذا الصراع ملفاً بعيداً.

العراق يرتبط جغرافياً واقتصادياً وسياسياً بالولايات المتحدة وإيران في الوقت نفسه، ولذلك فإن أي تصعيد إقليمي واسع يمكن أن ينعكس على التجارة والطاقة وحركة الطيران والأمن والأسواق العراقية.

ولهذا فإن تطور العلاقة بين واشنطن وطهران من الحرب إلى اتفاق، أو عودتها إلى التصعيد، سيظل واحداً من الملفات الإقليمية التي تمس العراق بصورة مباشرة.


بين عدوين.. مساحة صغيرة للدبلوماسية

ربما تكون المفارقة الأكبر في العلاقة الحالية أن الطرفين يتبادلان أقسى الضغوط، لكنهما يستمران في البحث عن طريقة للتفاوض.

فالسلام بين الولايات المتحدة وإيران، إذا حدث، لن يعني بالضرورة تحول البلدين إلى حليفين أو حتى إلى دولتين تربطهما علاقة طبيعية. قد يكون النموذج الأكثر واقعية هو اتفاق لإدارة الخلاف ومنع الحرب مع استمرار المنافسة السياسية بينهما.

وفي العلاقات الدولية، أحياناً لا يبدأ السلام بالمصالحة، بل باتفاق بسيط على أن تكلفة العودة إلى الحرب أصبحت أكبر من تكلفة الجلوس إلى طاولة واحدة.

إعداد: صحيفة الوسط العراقية – سبتمبر/أيلول 2026