كريم حمادي
رئيس شبكة الإعلام العراقي
تستيقظ الأمم الحيَّة على محطاتٍ مفصليَّةٍ تُقاس بمدى نضج إرادتها وقدرتها على صياغة مصيرها بيد أبنائها. وحين تتكامل أركان الدولة وتستقيم سيادتها، فإنّما تتّكئ على تراكمٍ نضاليٍّ وتاريخيٍّ طويل. وفي التجربة العراقيَّة المعاصرة، يبرز نموذجٌ فريدٌ في التعاطي مع محطات التاريخ، فقطاعاتنا الأمنيَّة والعسكريَّة لم تُبْنَ بمعزلٍ عن التحدّيات الجسام، بل إنَّ وجود قوّات التحالف الدوليِّ في مرحلةٍ سابقةٍ جاء استجابةً لطلبٍ رسميٍّ عراقيٍّ في ظرفٍ استثنائيٍّ دقيقٍ واجهتْ فيه البلاد خطراً وجوديّاً تمثّل بعصابات داعش الإرهابيَّة، وقد أدّتْ تلك القوّات دوراً مسانداً لا يُنكَر في معارك التحرير.
اليوم، وبعد أنْ طوى العراق صفحة الإرهاب بدموع التضحيات وبطولات قوّاته الباسلة بجميع صنوفها، تقف البلاد عند محطةٍ تاريخيَّةٍ ناضجةٍ يُعلن فيها بوضوحٍ انتفاء الحاجة للوجود العسكريِّ الأجنبيِّ.
إنَّ هذا الانتقال الطبيعيَّ لا يعكس سوى تعافٍ حقيقيٍّ للدولة وقدرة مؤسَّساتها الأمنيَّة على حماية الأرض والسماء بمفردها، متسلّحةً بكفاءةٍ ميدانيَّةٍ وخبراتٍ تراكميَّةٍ فائقة. وما يُكمل هذا المشهد الوطنيَّ هو الحاجة الدائمة لترسيخ مظلّة القانون، وتنظيم ملفِّ السلاح ليكون حصراً في إطار الدولة وتحت سلطة مؤسَّساتها الرسميَّة وإمرة القائد العامِّ للقوّات المسلّحة، بما يضمن استتباب الأمن وتثبيت أركان الاستقرار.
من هنا، نقف داعمين للخطوات الواثقة والجهود الحثيثة التي تقودها الحكومة ورئيسها في مسار بناء الدولة وتفعيل مؤسَّساتها، وما تحقّق من خطواتٍ مباركةٍ على طريق تعزيز هيبة القانون وتنظيم شؤون الأمن الداخليِّ والخارجيِّ على وفق أسسٍ دستوريَّةٍ سليمةٍ.
إنَّ السيادة الوطنيَّة الحقّة لا تقف عند حدود المفهوم الأمنيِّ والعسكريِّ، وإنّما تمتدُّ لتشمل تكامل القرار السياسيِّ والاقتصاديِّ. فالاستقرار المنجز يتطلّب اليوم دفع عجلة التنمية وبناء اقتصادٍ وطنيٍّ متنوِّعٍ وقويٍّ يُعزّز استقلال القرار الماليِّ ويُحصِّن البلاد أمام أيِّ تأثيراتٍ خارجيَّةٍ، إلى جانب انتهاج دبلوماسيَّةٍ متوازنةٍ تقوم على الشراكة الندّيَّة والمصالح المتبادلة.
إنَّ الانتقال من مرحلة الإسناد المؤقّت إلى الشراكة الطبيعيَّة هو التجسيد الأصدق لمعنى الدولة المقتدرة، ليبقى العراق سيّداً فوق أرضه، وصانعاً لقراره، وآمناً بسد أبنائه ومؤسَّساته الدستوريَّة.
0 تعليق
كن أول من يعلّق على هذا الخبر.