في مشهد لا يتكرر كثيراً، حلّت مجموعة من طيور الهدهد الأوروبي ضيفاً غير مألوف قرب منزل في مدينة السوكي بولاية سنار، خلال شهر سبتمبر الجاري، لتلفت الأنظار إلى واحد من الطيور المهاجرة التي تعبر السودان في رحلتها الموسمية، لكن نادراً ما تُرى مجتمعة بهذا الشكل.

لا سيما أن مدينة السوكي بولاية سنار تبعد نحو 350 كيلومتراً جنوب شرقي الخرطوم، ما يجعل ظهور هذه الطيور في المنطقة لافتاً في سياق تتبع مسارات الهجرة والبيئات التي تستقبلها.

أستاذ جامعي رصده

وكان أستاذ الحياة البرية في جامعة سنار، الدكتور محمد المكي علي البدوي، قد رصد المجموعة بالقرب من منزله، في مشهد وصفه بأنه "ليس من السهل رؤيته"، مشيراً إلى أن الهدهد الأوروبي عادة ما يُشاهد في صورة أفراد متفرقة أثناء بحثه عن الغذاء.

وقال البدوي ل"العربية.نت /الحدث.نت" إن ظهور الهدهد الأوروبي في المنطقة ليس ظاهرة جديدة، إذ يأتي إلى السودان سنوياً بوصفه طائراً مهاجراً، لكنه يظل من الطيور التي تستوقف المراقبين عندما تظهر في مجموعات.

كما أضاف البدوي أن للهدهد "دوراً كبيراً في التوازن البيئي، إذ يتغذى على أعداد كبيرة من الحشرات، ويبحث بمنقاره في التربة عن غذائه، بما في ذلك اليرقات والديدان وكائنات أخرى قد تكون ضارة بالمحاصيل. وينتمي الهدهد الأوروبي إلى الفصيلة نفسها التي ينتمي إليها الهدهد الموجود في السودان، لكن السودان يعرف أيضاً الهدهد الأفريقي المقيم. ويُكتب الاسم العلمي للهدهد الأوروبي Upupa epops epops، بينما يُشار إلى الهدهد الأفريقي باسم Upupa africana.

الهدهد الأوروبي في السوكي (تصوير الدكتور محمد مكي)

الهدهد الأوروبي في السوكي (تصوير الدكتور محمد مكي)

وبينما يبقى الهدهد الأفريقي في السودان، يأتي الهدهد الأوروبي مهاجراً خلال موسم الشتاء، فيعبر مناطق واسعة من البلاد ويستفيد من البيئات الزراعية والمناطق المفتوحة بحثاً عن الغذاء.

إذ أشار كتاب أطلس طيور السودان لنيكولاس، الصادر عام 1987، إلى وجود الهدهد ضمن طيور السودان، في حين كشفت المشاهدات الميدانية الحديثة أن هذا الطائر لا يزال يجد في البيئات السودانية ملاذاً مناسباً خلال رحلته الموسمية كما يؤكد الدكتور محمد المكي.

هذا وتتجاوز أهمية الهدهد مجرد كونه طائراً محبباً للعين؛ فوجوده وتنوع الطيور المهاجرة عموماً يمكن أن يقدم إشارات مهمة عن حال البيئات التي تمر بها هذه الطيور، وعن توافر الغذاء والغطاء النباتي والمناطق المناسبة للراحة والتغذية.

الهدهد الأوروبي (آيستوك)

الهدهد الأوروبي (آيستوك)

وفي السودان، حيث تمتد مسارات الهجرة فوق الحقول والمزارع والسهول والمناطق المفتوحة، تصبح مشاهدة طائر مهاجر مثل الهدهد الأوروبي أكثر من مجرد لقطة عابرة؛ إنها نافذة صغيرة على عالم بيئي تتحرك فيه الطيور آلاف الكيلومترات بحثاً عن الغذاء والدفء والأمان.

مكانة استثنائية

كما أن للهدهد مكانة استثنائية في الذاكرة الدينية والثقافية العربية، بعدما ورد ذكره في قصة النبي سليمان، حين غاب عن مجلسه ثم عاد بخبر من مملكة سبأ.

لكن الهدهد الذي ظهر في السوكي هذه المرة يحمل، بمجرد ظهوره، رسالة من الطبيعة نفسها: أن السودان لا يزال جزءاً من مسارات الهجرة العالمية، وأن طيوره المهاجرة تواصل عبور سمائه وأرضه، حتى وسط التغيرات التي طالت بيئاته خلال السنوات الأخيرة.

الهدهد الأوروبي (آيستوك)

الهدهد الأوروبي (آيستوك)

إلى ذلك شهد الأسبوع الأول من سبتمبر الجاري، حدثاً استثنائياً احتفت فيه جمعية الطيور السودانية باستئناف مراقبة ومتابعة ورصد وتوثيق بدء عودة الطيور المحلية والمهاجرة بالتزامن مع عودة الحياة التدريجية إلى غابة السنط بالخرطوم.

وكشفت حصيلة جولة مشاهدة الطيور، التي امتدت لنحو خمسة كيلومترات من الشريط الشرقي للغابة، عن رصد ومشاهدة وتوثيق عودة 36 نوعاً من الطيور المقيمة داخل الغابة.

من بين الأن التي شوهدت، أبو قردان والبلشون الأبيض والوروار والهدهد وبعض أن العصافير والسنونو التي تعيش في الغابة على مدار العام.