باقر صاحب

ليس أجمل دل من تسمية مبادرة “مليون قطعة أرض”، التي أطلقها رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، بمبادرة “وطن لكل مواطن”؛ إنها تسمية لها جوانبها المعنوية والمادية أولاً، ومن ثم تأتي دلالاتها الاجتماعية والاقتصادية والوطنية بالمجمل.

قيل “البيت وطن” عبارة تفسر الميل الغريزي للإنسان، أي إنسان، أن يكون له بيته الخاص في وطنه، وبذا يصبح هناك سقفان يخيمان عليه وعلى أفراد عائلته؛ سقف الوطن ومن ثم سقف البيت الصغير. وبذا يتحقق الجانبان المعنوي والمادي اللذان أشرنا إليهما آنفاً.

الجوانب الاجتماعية تتمثل في أن تلك المبادرة لها شأنها في تحقيق العدالة الاجتماعية، بين المواطنين، بتمليك كل من هو تحت خط الفقر قطعة أرض، يستطيع بناءها بحسب الضوابط في المبادرة، وبذلك يتخلص من المبالغ الباهظة للإيجارات، والشعور بالاستقرار النفسي، لديه وأفراد عائلته، بعد توديع تهديدات المؤجرين، بزيادة مبلغ الايجار بين فترة وأخرى، وحججهم ارتفاع مستوى المعيشة، من دون ان يقدروا وطأة ارتفاع الأسعار على المستأجرين وأسرهم أيضاً.

هنا ينعدم التكافل الاجتماعي، ويحل محله الجشع وتباين الفوارق الاجتماعية بين الأغنياء والفقراء. وهنا ينبثق جانب اجتماعي آخر في المبادرة؛ امتلاك الفقير بيتاً، يدفعه إلى تحسين الجوانب الأخرى المتمثلة بتوفير المتطلبات الأخرى لعائلته، بعد أن طرح مشكلة السكن من حساباته، والسعي إلى تأمين مفردات التعليم والعناية الصحية لأفراد عائلته، وجميع المفردات الحياتية الأخرى.

الأرقام الخاصة بالعجز السكني في العراق، تقول أننا نحتاج 2.3 مليون وحدة سكنية. والعدد المليوني المقرر الآن يسد بنحو 43 بالمئة من هذا العجز، وهي نسبة لا بأس بها. والمبادرة الوطنية الجديدة، إذا أديمت بالخطوات المتسارعة، لجهة حصر 216 ألف قطعة أرض مخدومة في ست محافظات هي النجف وكربلاء والأنبار وواسط وميسان والمثنى، لغاية الآن، نقول إذا أديمت على هذا النحو على نطاق المحافظات الأخرى بالعزم نفسه والتخطيط الصائب نفسه، وبعدالة نيل كل المحرومين وطناً صغيراً لهم، فإن الحكومة الحالية تنال مصداقيتها أمام الناس، وتترسخ الثقة بها، عندما تتحقق جميع تفاصيل المبادرة على أرض الواقع.

أهمية المبادرة المليونية تكمن في أنها تلغي المنح العشوائي، هنا وهناك، حين تجزم بتوزيع وطني شامل لقطع الأراضي لكل غير مستفيد ضمن النطاق العائلي. وهنا ينبغي إجراء التدقيق العالي المستوى بالتنسيق مع دوائر التسجيل العقاري في كل المحافظات المستفيدة، لأجل إجراء تقاطع المعلومات وحرمان أي مستفيد سابق من المبادرة المليونية.

هذا التوزيع الوطني الشامل، يدفع إلى القضاء التام على العشوائيات، ويسهم في التنظيم المديني الشامل على أحسن وجه. كما ان التوزيع الجمعي في كل مدينة، يسهم في إنشاء مدن جديدة ضامة لكل الخدمات من مراكز صحية ورياض أطفال ومدارس ومراكز تسوق، وربطها بشبكات الطرق والكهرباء ومياه الشرب والمجاري ومياه الأمطار والاتصالات وتعبيد الطرق الرابطة داخل المدن الجديد، وكذلك الطرق الرابطة مع مراكز المحافظات وأقضيتها ونواحيها وقراها.

وبذلك تزدهر الخريطة العمرانية والسياحية في البلاد، حين نراها عامرة بالضواحي المأهولة بالسكان من أقصى البلاد إلى أقصاها. يتم ذلك بالتعاون مع رجال الأعمال والمستثمرين الوطنيين الذين سيسهمون في إنشاء البنى التحتية، وفق ما وُصف بمسؤوليتهم التضامنية مع الحكومة لتنفيذ المبادرة.

وهناك جدوى اقتصادية كبيرة من تلك النهضة العمرانية، إذ يتحرك سوق العمل في البلاد بشكل غير مسبوق، ما يعني تخفيضاً كبيراً في نسبة البطالة، كما يرافقه ازدهار في قطاع البناء، بكل متطلباته من ارتفاع الطلب على المواد الانشائية والصحية والكهربائية، وعلى صعيد كبير ازدهار الصناعة المحلية من تلك المواد. وحينما يعمل الجميع، يكون لذلك مردودات ايجابية في القضاء على الجريمة وتعاطي المخدرات والاتجار بها، وغير ذلك التداعيات المشينة للبطالة.

لقد خُطّط أن أمد توزيع كل قطع أراضي “مبادرة وطن” خلال ثلاث سنوات، وهي فترة زمنية يسيرة لكي يرى الناس الآثار الايجابية لتلك المبادرة في حياتهم اليومية، ومن ذلك انخفاض أسعار العرصات والبيوت، بما يتيح للناس السعي لشراء بيوت جديدة، مناسبة الكلفة، بعد أن ارتفعت أسعار العقارات في العراق بشكل غير مسبوق، وذلك بسبب التكاثر السكاني الذي يقدر بنحو مليون نسمة كل عام، ناهيك عن الانشطار العائلي، بالنسبة لعوائل المتزوجين الجدد.

عدد سكان العراق عام 2030 يُقدّر بأنه سيزيد عن 50 مليون نسمة، وبهذا فإن بلادنا بحاجة مستمرة إلى حملات وطنية شاملة في القضاء على أزمة السكن، وبناء المدارس والجامعات والمستشفيات، والاكتفاء الذاتي من الطاقة الكهربائية، والنهوض الصناعي والتطوير الزراعي، لأجل التحول الفعال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المتنوع المصادر، المستديم لعجلة الازدهار في البلاد وإلى الأبد.