عبد الزهرة محمد الهنداوي
الحديث عن زيارة رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي إلى نيويورك، للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، لن يكون حديثا عابرا، ذلك لأن الزيارة نفسها لم تكن عابرة، فضلا عن توقيتها الذي جاء في لحظة عراقية وإقليمية ودولية فارقة.إن الصورة التي رسمها الزيدي للعراق في نيويورك، لا تشبه تلك الصورة التي يُنظر الى العراق، من خلالها بوصفه ساحة تتقاطع فيها إرادات وحسابات الآخرين، إنما صورة جديدة رباعية الأبعاد، أما تلك الأبعاد فهي: استعادة القرار. إعادة ترتيب العلاقات. انتزاع الموقع الطبيعي في المنطقة والعالم. الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص.فلقاء رئيس الوزراء بالرئيس الأميركي ترامب، ووزير خارجيته روبيو، إلى جانب اللقاءات مع عدد من قادة الدول ورؤساء الحكومات، الأوروبية والآسيوية والإفريقية، لم تكن مجرد لقاءات ثنائية على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، بل جاءت في سياق إقليمي بالغ الحساسية، تتداخل فيه ملفات الأمن والطاقة والحرب والسلام، فيما يعمل العراق على تثبيت قاعدة أساسية في سياسته الخارجية، فهو يريد أن يكون دولة فاعلة في محيطها، لا ساحة للصراع بين الآخرين.وقد عززت مباحثات الزيدي مع الجانب الأميركي هذا الاتجاه، وتحديدا ما يتعلق منها بسيادة العراق وقرار الدولة، ومنع استخدام الأراضي العراقية لإيقاع الضرر بالدول الأخرى، وفي منطقة تتداخل فيها الجغرافيا مع الأمن، يصبح تثبيت هذه القاعدة شرطا ضروريا لبناء علاقات متوازنة مع الجميع.ولعل الأهم أن العراق لا يريد أن يفصل ملف السيادة عن ملف التنمية، فالدولة التي تريد قرارا سياديا مستقلا تحتاج إلى اقتصاد يكون رافعا لهذا القرار، وإلى مؤسسات مالية ومصرفية تستطيع التماهي مع الاقتصاد العالمي، وإلى بيئة استثمارية تجعل العراق شريكا حقيقيا.رئيس الوزراء لم يكتفِ بلقاء القادة والزعماء، وإنما فتح حوارا مع صندوق النقد الدولي وغرفة التجارة الأميركية وعدد من كبريات الشركات، ومنها شركات الطاقة، والاتصالات والتكنولوجيا، حيث تركزت مباحثاته على الإصلاح المالي، والتحول التدريجي نحو موازنة البرامج والاداء، وتسريع المشاريع وزيادة الإنتاج والاستكشاف وتطوير الحقول النفطية، ومعالجة ملف الكهرباء. وما يمكن قراءته في اطار نتائج الزيارة هو ان العراق لم يعد مكتفيا بالبحث عن زيادة إنتاج النفط فقط، إنما يسعى بنحو حثيث الى أن يجعل من النفط جسرا نحو اقتصاد أوسع، فعندما يتحدث رئيس الوزراء أمام مجتمع الأعمال الأميركي عن الغاز والطاقة النظيفة والبتروكيمياويات والزجاج والفوسفات والبنية التحتية، وعن فرص الاستثمار في طريق التنمية وشبكة النقل والسكك الحديدية، فإن الرسالة تتجاوز قطاعا بعينه إلى محاولة رسم صورة لاقتصاد عراقي متعدد الأبواب، وهذا يمثل انتقالا من معادلة “بيع النفط” إلى معادلة "استثمار الموارد لبناء اقتصاد متنوع ومنتج".
وهذا الانتقال بحد ذاته، يمكن أن يكون واحدا من أهم مخرجات المرحلة، وآفاق المستقبل، فالاقتصاد العراقي، بما يمتلكه من موارد طبيعية وموقع جغرافي وثقل سكاني وسوق واسعة، يحتاج إلى رأس المال والتكنولوجيا والخبرة والأسواق، وفي المقابل، تبحث الشركات العالمية عن أسواق جديدة ومشاريع طويلة الأمد ومصادر مستقرة للطاقة، ولذلك فإن العلاقة بين العراق والشركات الدولية تذهب الى عقد شراكات تمتد إلى الصناعة والطاقة والنقل والزراعة والتكنولوجيا والخدمات، وفي هذا السياق، يبدو جليا أن مشروع طريق التنمية يمثل إعادة لتعريف موقع العراق الجغرافي، هذا الموقع، الذي كان في مراحل كثيرة من تاريخه سببا في تعرضه لصراعات القوى، يستطيع أن يحوله إلى مصدر قوة اقتصادية، لانه سيربط الشرق بالغرب، ويصل الأسواق ببعضها.وحتى اللقاءات الإقليمية التي عقدها الزيدي في نيويورك، ومنها اللقاء مع الرئيس التركي أردوغان، حملت بعدا يتصل بهذه الرؤية، مع التأكيد على توسيع التجارة والاستثمار وتسريع تنفيذ المشاريع الاستراتيجية وفي مقدمتها طريق التنمية. أما إقليمياً، فإن العراق يبدو أمام فرصة لإعادة بناء دوره بطريقة مختلفة، فهو ليس مضطرا إلى اختيار موقع بين هذا المحور أو ذاك، بقدر ما يستطيع أن يقدم نفسه كمساحة للحوار والتلاقي والمصالح المشتركة وهذه الوظيفة تزداد أهميتها كلما اتسعت الأزمات في المنطقة، من أمن الطاقة والممرات التجارية إلى الصراعات السياسية والعسكرية. إجمالا.. إن ما شهدته نيويورك من تفاهمات مهمة سترسم مساراتها نحو الاستثمارات، اذ ستمضي الشركات باطمئنان إلى تنفيذ المشاريع، وفي المقابل تتسارع الإصلاحات المصرفية والمالية، وتتوسع الشراكة مع المؤسسات الدولية، ويتحول طريق التنمية إلى واقع اقتصادي ملموس.
0 تعليق
كن أول من يعلّق على هذا الخبر.