المثنى – صحيفة الوسط العراقية

بين صمت الحجر وحرارة الإزميل، تبدأ رحلة النحات في عالم تتداخل فيه الموهبة مع الصبر والممارسة، لتتحول الكتلة الجامدة إلى ملامح تحمل روحاً وحكاية، وفي زمن تتسارع فيه التقنيات، لا يزال الفنان محمد محسن المرشدي، يفضل في كثير من أعماله أن تكون يده هي الأداة الأولى في التعامل مع الطين.

ويرى المرشدي، وهو كاتب وباحث في علوم التاريخ السومري ونحات من محافظة المثنى وعضو في نقابة الفنانين العراقيين، أن النحت لا يقتصر على اقتطاع أجزاء من الحجر أو تشكيل الطين، بل يمثل حواراً بين الفنان والخامة، ومحاولة للكشف عما يختبئ داخلها.، إن "علاقته بالنحت بدأت في سن التاسعة، عندما صنع أول عمل له على شكل ماكيت هندسي لبيت عائلته من طين الصلصال، الذي كان يستخدمه آنذاك كعلاج طبيعي ليده بعد تعرضه لحادث".

وأضاف أن "تشجيع الأهل والأقارب والأصدقاء كان له دور مهم في استمرار موهبته، موضحاً: "كنت لا أعرف أني أمتلك موهبة، والموهبة وحدها لا تكفي. كنت أشعر بانجذاب خاص إلى الطين، وكنت أستمتع بتشكيله واكتشاف ما يمكن أن يتحول إليه بين يدي".

وأكد أن "الموهبة تمثل بداية الطريق، لكنها تحتاج إلى التدريب والممارسة المستمرة حتى تتحول إلى مهارة حقيقية"، مبيناً أن "سرعة تطويع الطين تأتي من سنوات من التجربة وفهم طبيعة المادة والإحساس بمرونتها وتفاعلها مع اليد".

وعن أول قطعة نحتها، يشير المرشدي إلى أنها كانت "الفتاة السومرية" المستوحاة من مدينة أوروك، مشيراً أن "التاريخ والحضارة السومرية يشكلان مساحة أساسية في تجربته الفنية."

ونوه الى أن "الطين الحر هو الأقرب إلى روحه، لأنه يرتبط ببدايات الفن السومري في أوروك، قائلاً إن الطين ليس مجرد مادة، بل إن صنع الحضارة كان من الطين".

ويشرح فلسفته في التعامل مع الحجر بالقول: "أؤمن أن التمثال موجود في الحجر بشكل ما، لكن موهبتي تكمن في أن أراه قبل الآخرين، أنا لا أضيف الجمال إلى الحجر بقدر ما أزيل ما يحجبه، وكل ضربة إزميل هي خطوة نحو اكتشاف الشكل المختبئ في داخله".

ولفت: "النحت بالنسبة لي ليس مجرد تشكيل للحجر، بل حوار بيني وبينه، أستمع فيه إلى ما يريد أن يصبح عليه".

وعن كيفية ولادة أفكاره، يوضح المرشدي أن "الفكرة قد تبدأ من إحساس أو موقف أو صورة تستقر في داخله، وقد يستوحيها أحياناً من التراث أو من مشهد بسيط أو وجه عابر، قبل أن تنمو وتبحث عن الشكل الذي يعبر عنها."

وبين أنه "يتعامل مع مختلف الخامات المتاحة، سواء كانت حجراً أو خشباً أو برونزاً أو طيناً، ويحاول تطويعها بما يتناسب مع الفكرة التي يريد تجسيدها".

وتابع أن "الكاتب يستخدم الكلمات والرسام يستخدم الألوان، بينما يستخدم النحات الكتلة والفراغ والملمس للتعبير عن فكرة أو إحساس، ولذلك فهو فن وحرفة في الوقت نفسه".

وعن لحظات الخطأ التي قد تهدد عملاً استغرق إنجازه وقتاً طويلاً، يرى المرشدي أن الضرر أو الكسر قد يمنح العمل جمالاً مختلفاً، قائلاً: "لو سقطت المنحوتة فإنها تخلق نفسها من جديد وكأنها قديمة، وأي ضرر فيها أو كسر يضيف لها جمالية خاصة".

وفيما يتعلق بتأثير النحت الرقمي والطباعة ثلاثية الأبعاد والتقنيات الحديثة في الفن الميداني والتراثي، يرى المرشدي أن التطور التقني لا يلغي خصوصية الفنان، مؤكداً أن "اللمسة الفنية القديمة لا تؤثر عليها التقنيات الحديثة، ولكل فنان لمسته".

واشار إلى أن "علاقته المباشرة بالطين تمثل جزءاً مهماً من تجربته، مبيناً أن إنجاز العمل من دون آلة يمنحه إحساساً مختلفاً وسيطرة أكبر على المادة."

وذكر: "عندما ألمس الطين بيدي أشعر بكل تغيير يحدث فيه، وهذا يمنحني سيطرة وإحساساً مختلفين، لا أقول إن الآلات ليست مفيدة، لكنها ليست ضرورية بالنسبة لي في كثير من الأعمال".

ويعد المرشدي منحوتة الملك كوديا نقطة تحول في مسيرته الفنية، معتبراً أنها كانت بداية لانطلاق موهبته بشكل أوسع، أما طموحه المقبل، فيتمثل في إنجاز منحوتة كبيرة للثور المجنح الآشوري، فضلاً عن تجسيد شخصية كلكامش في مدينة السماوة، التي يرى أنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بإرث كلكامش والذاكرة الحضارية لبلاد الرافدين.

وأوضح: "أطمح في المستقبل القريب أن أنحت الثور المجنح الآشوري وبحجم أكبر، وكذلك أجسد تمثال كلكامش في مدينة السماوة كملتقى، كون هذه المدينة هي مدينة كلكامش، والمدينة التي جسدت الخلود في تاريخها الحضاري".

ويرى المرشدي أن "النحت يمكن أن يصبح جزءاً من الهوية البصرية لمدينة السماوة، من خلال مشروع فني يجعل المدينة مفتوحة أمام الأعمال التي تحكي تاريخها وتراثها وبيئتها."

وشدد على أن "النحت يمكن أن يكون جزءاً من صورة المدينة مثلما هو النهر والنخيل"، مبيناً أن "وضع الأعمال الفنية في الساحات والأماكن العامة يجعل الفن أقرب إلى الناس، ويتيح للأجيال الجديدة أن تنشأ وهي ترى الفن جزءاً من بيئتها اليومية".

وعند اختياره ثلاثة رموز تمثل السماوة، يضع المرشدي الفرات أولاً بوصفه شريان المدينة، ثم النخلة التي تمثل جزءاً من طبيعتها وذاكرتها، وثالثاً الإنسان السماوي، لأن المكان، بحسب رأيه، لا يصنعه الحجر والنهر فقط، وإنما الناس الذين عاشوا فيه وتركوا قصصهم وذكرياتهم.

ويحلم المرشدي بأن يترك عملاً فنياً يبقى بعده، وأن يرى يوماً منحوتة له في أحد شوارع السماوة، يتوقف عندها الناس ويتساءلون عن قصتها، كما يطمح إلى نقل تجربته إلى جيل جديد من الشباب، داعياً المبتدئين إلى الدراسة الأكاديمية وصقل مواهبهم والاستفادة من خبرات الفنانين السابقين.

وأكد أن رسالته تتجاوز حدود المشاركة المحلية، قائلاً: "أتمنى الاستمرار في أعمالي الفنية ليس بداخل العراق فقط، بل أطمح لخارجه لكي يصل إلى العالمية".

وعن تعامله مع الشخصيات التاريخية التي لم يرها ولم تتوافر لها صور دقيقة، يوضح المرشدي أنه يعتمد على الإلهام الفني والخيال الواسع لتجسيد الشخصية في عمل يليق بها، مع الاستناد إلى ما يتوافر من موروث ومعلومات تاريخية، أما انتقال الفكرة من الخيال إلى عمل ملموس، فيصفه بأنه رحلة تبدأ بإحساس أو صورة، ثم البحث عن الخطوط والحركة والتفاصيل التي يمكن أن تعبر عنها، قبل أن تتفاعل اليد مع المادة ويبدأ الشكل بالظهور.

وذكر أنه "شارك في عدد من المعارض والمهرجانات والفعاليات الفنية والثقافية، من بينها معرض بغداد الدولي مع مديرية زراعة المثنى، حيث قدم ماكيتاً هندسياً لمحطة مراعي السلمان وحصل على شهادة تقديرية، كما شارك في المهرجان القطري الذي أقيم على المسرح الوطني من قبل نقابة الفنانين العراقيين، وفي أسبوع المرور في بغداد وجسد طرق أطراف المدينة وحصل من خلاله على شهادة تقديرية، اضافة الى مشاركته في مهرجان الوركاء بتماثيل نحتية عن المدينة، وحصل على شهادة تقدير وكتب شكر، فضلاً عن مشاركته في فعاليات جامعة المستقبل في محافظة بابل بمنحوتات تجسد آثار بابل، وفي جامعة المثنى ـ قسم التاريخ ـ بأعمال نحتية تعنى بتاريخ العراق القديم والتماثيل السومرية، كما أنجز في كلية الزراعة عملاً نحتياً على قطعة من الكرانيت بقياس 50×50 سم، يجسد نهر الفرات والشاطئ والأشجار وحيوانات الجاموس وبيوت الطين، مستخدماً طين الصلصال.

وأضاف أن "تجربته لم تقتصر على النحت، إذ شارك في فيلمين وثائقيين هما (سائق الإسعاف) و(العربانة)، مع المخرج هادي ماهود".

وكشف عن أنه "يحتفظ في منزله بمجموعة كبيرة من المقتنيات القديمة، بينها الدلال والمفروشات وبعض الآلات الموسيقية مثل الناي المصنوع من القصب، فضلاً عن السيارات الصغيرة والآلات، ويقدر عددها بنحو 27 ألف قطعة، اقتنى جانباً منها على مدى نحو 20 عاماً، فيما حصل على عدد كبير منها كهدايا من دول مختلفة، وتحمل بعض القطع أسماء البلدان التي صنعت فيها".

ويرى المرشدي أن الفنان لا يعمل من أجل اللحظة فقط، وإنما من أجل أثر يمكن أن يبقى بعده، مؤكداً أن النحت بالنسبة إليه وسيلة لحفظ الذاكرة والتاريخ وتحويلهما إلى أعمال يمكن للأجيال رؤيتها.